المسعودي
401
مروج الذهب ومعادن الجوهر
النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم ، ولا اليهود تقول عنهم إنهم من أوائلهم ، ولا المسلمون يدرون من هم ولا تاريخ ينبئ عن حالهم ، عليهم أثوابهم ، وكثيراً ما يوجد في تلك الروابي والجبال من حليهم ، والبرابي ببلاد مصر بنيان قائم عجيب : كالبربا المتخذة بأنصناء من صعيد مصر ، وهو أحد الموصوفين منها ، والبربا التي ببلاد أخميم ، والبربا التي ببلاد سمنود ، وغير ذلك . والأهرام وطولها عظيم ، وبنيانها عجيب ، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة ، والممالك الداثرة ، لا يدرى ما تلك الكتابة ولا ما المراد بها ، وقد قال من عني بتقدير ذرْعها ان مقدار ارتفاع ذهابها في الجو نحو من أربعمائة ذراع ، أو أكثر ، وكلما علا به الصعداء دقَّ ذلك ، والعرض نحو ما وصفنا ، عليها من الرسوم ما ذكرنا ، وان ذلك علوم وخواص وسحر واسرار للطبيعة ، وان من تلك الكتابة مكتوب : إنا بنيناها فمن يدعي موازنتنا ( 1 ) في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاءنا من السلطان فليهدمها ، وليزل رسمها ، فان الهدم أيسر من البناء ، والتفريق أيسر من التأليف وقد ذكر ان بعض ملوك الاسلام شرع في هدم بعضها فإذا خراج مصر وغيرها من الأرض لا يفي بقلْعها ، وهي من الحجر والرخام ، والغرض في كتابنا هذا الاخبار عن جمل الأشياء وجوامعها ، لا عن تفصيلها وبسطها ، وقد أتينا على سائر ما شاهدناه حساً في مطافاتنا الارضَ والممالكَ ، وما نمي إلينا خبراً من الخواص وأسرار الطبيعة
--> ( 1 ) في بعض النسخ « موازاتنا » .